في
 
    تواصل | اساتذة | الخريطة | كنت هنا | تعريف | أقلام صحفية | مساحة أخرى

الثلاثاء 12 ديسمبر 2017



الموقع
آراء
مجتمع الخصوصية !!
مجتمع الخصوصية !!





في هذا العصر أصبحت لدينا عادة سيئة تضاف إلى جملة من العادات
المحبطة، وهي الاستماتة في الدفاع عن كل شيء موجود، بل وإضافة هالات من المهابة والتخويف عند التفكير في المساس بها، وعندما أقول كل
شيء، فإنني أفتح نافذة هائلة في ذهنية كل منا للتفكير بحرية ودون حدود لكل ما يخطر على البال من قضايا المجتمع.

إن في مجتمعنا العربي من يقدس السائد بشكل كبير، وبالتالي يرفض التنوع الثقافي، والتحديث الأدبي، ويدعو إلى تجريم التغيير، وهو بهذا يسقط من حساباته التطور الطبيعي للحياة، وعندما تسير عجلة الزمن ومعها تجرف كثيرا من الأفكار والمسلمات، فإن هذه الفئات تبدأ بإلقاء التهم وفق قوالب جاهزة وتوجه أصابع الاتهام لكل من يرى مصلحة تختلف عن مسلماتهم وأهوائهم.

لكن لماذا هذه الاستماتة في الدفاع عن قضايا غير ثابتة، وعن أفكار لا يمكن أن تكون خالدة؟!، هناك بطبيعة الحال أسباب متعددة ومتنوعة، لكن لعل أهم هذه الأسباب وأكثرها استخداما يعود إلى ما يعرف بالخصوصية التي يحاول البعض أن يسيج المجتمع العربي في إطارها، خصوصية المجتمع التي لا يفتأ البعض بترديدها بهدف تبرير كتم أي صوت، واغتيال أي فكرة حديثة، هذه الخصوصية التي تشبه ما يردده اليهود من كونهم أمة الله المختارة، وبقية البشرية رعاع مصيرهم إلى جهنم، وهنا تشابه في الهدف، واختلاف في المسميات، فالهدف هو التميز عن الآخرين ممن يشاركوننا العيش على هذا الكوكب، لكن في حقيقته وجوهره تمييز، وليس تميزا، ويمكن أن يوضع أكثر من معيار يساعد للترويج لكذبة الخصوصية: الموقع الجغرافي، اللغة
الفريدة، الجذور العريقة، الأصول الممتدة... إلخ، وهي جميعها نماذج
جاهزة، وقوالب يمكن توظيفها في دعم حجة الخصوصية، والتي تعني ببساطة نحن لسنا كالآخرين.

لكن إذا سلمنا بالقول: إننا مجتمع له خصوصيته، فما الفائدة التي تعود علينا ويرجى تحققها؟.. قد تكون الفائدة الوحيدة، وهذا واضح للعيان، تصب لثلة من المنتفعين تتحكم بالخطاب العام، ورفع شعار الخصوصية يمنع أي رأي مضاد من الانبثاق، كما أنه يكتم أي صوت مخالف. في الحقيقة التطبيل على كلمة إننا مجتمع ذو خصوصية، نسمعها عندما تمس جوانب محددة قد تهز أو تخلخل مواقع تقتات منها تلك الثلة الأنانية، والغريب أن مجتمع الخصوصية لا يحقق للسواد الأعظم من أفراده أي ميزة معيشية تختلف عن بقية المجتمعات
الأخرى، حيث يوجد بينهم فقراء كمجتمعات العالم، وتوجد مظالم ومحسوبيات وانتهاكات لحقوق الآخرين، بل في مجتمع الخصوصية تفاوت في الخدمات العامة التي تقدمها حتى الجهات الرسمية لمواطنيها، فالمستشفيات تقدم خدمات متدنية "لعامة الناس" كما يحب أن يسميهم عدد من دعاة الخصوصية، بينما تقدم رعاية صحية راقية لفئة قليلة، في مجتمع الخصوصية تنتشر البطالة فقط وسط "العامة"، أما ذوو الأسماء الرنانة والعائلات المصونة، فلا معاناة في هذا المجال، في مجتمع الخصوصية يحصل "العامة" على تعليم لم يتطور، وفي مدارس غير مهيأة، أما أبناء دعاة الخصوصية فيجدون التعليم في مبان راقية حديثة، هذا فضلا عن الابتعاث الخارجي دون عناء، إذا لزم الأمر.
مجتمع الخصوصية الذي يبشر به البعض، ويذكرنا به البعض الآخر
دوما، يعني في أساسه استمرار المهابة لفئة قليلة تحقق مكاسبها على حساب الشريحة العريضة من المجتمع، وتعني أن يظل الكبير كما هو، وأن يبقى الصغير كما كان. ألا يتطلع الفقير لتحسين وضعه، أو ألا يحلم البائس بالانعتاق من بؤسه، ويعني في أساسه أن ترضى بوضعك وتصمت على حالك، مجتمع الخصوصية يعني أنه وبسبب هذه الخصوصية نحن خارج إطار الزمن والتطور والتحديث، فإذا قلنا نريد حقوقا مدنية وقوانين واضحة، نريد
مساواة، وحقا مصانا في التعبير عن الرأي دون جناية أو تهمة أو تكفير، إذا قلنا نريد مساءلة المفسدين، ومحاسبة المسؤولين، نريد قانونا واضحا
مكتوبا، نعلم من خلاله واجباتنا وحقوقنا؟. ضج المكان بصوت يقول: هل تريد أن نكون مثل الآخرين؟ ألا تعلم أننا في مجتمع وبلاد لها خصوصيتها؟!!.

بقلم عبدالله زايد

آراء حول الموضوع: 0


خدمات المحتوى


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.