في
 
    تواصل | اساتذة | الخريطة | كنت هنا | تعريف | أقلام صحفية | مساحة أخرى

الجمعة 15 ديسمبر 2017



الموقع
آراء
وظيفة الحرية
وظيفة الحرية



في العصر الحديث انتشر العديد من الأيديولوجيات التي رفعت شعارات براقة من العدالة المطلقة والمساواة، ولم يبق منها إلا الفتات أو الذكرى، كالشيوعية والنازية والفاشية وغيرها كثير، وجميعها كانت تهدف لنتيجة واحدة وهي التأثير على المجتمعات لتحقيق أهداف محددة من الوحدة والصوت الواحد.
يعتبر البعض أن المعرفة والجهل لعبا دورا حيويا وكبيرا في انتشارها أو الحد منها، ويشبه هذا الدور بما فعلته في المجتمعات البدائية القديمة الأسطورة.
وللدلالة على هذا المفهوم يشيرون للشعوب المتعثرة اقتصاديا التي تعاني الفاقة والفقر وبالتالي تحيا تسطيحا معرفيا حيث انتشرت الشيوعية فيها كما تنتشر النار في الهشيم، في دول أخرى تعيش وسط توهج حضاري تزدهر فيها المعرفة والعلوم اعتبرت العدو الأساسي للفكر الشيوعي.
الفرق ليس ماديا - غني وفقير - كما قد يتخيله البعض، إنما الاختلاف كان في تجهيل متعمد تحاصر به شعوب أو بمعرفة ملئها الحرية والبحث عن الأجدى والأنفع.
الدكتور محمد سبيلا في كتابه " الأيديولوجيا نحو نظرة تكاملية " الصادر عن المركز الثقافي العربي ربط الأسطورة بالأيديولوجية بشكل موضوعي وعلمي حيث قال:"كثير من الباحثين يميلون الى القول إن الأيديولوجيات هي ميثولوجيات هذا العصر لأنها تؤدي تقريبا الوظائف الاجتماعية نفسها التي تؤديها الأسطورة في المجتمع البدائي، فإن مظاهر التشابه لا تقتصر على الدور الإدماجي والتوحيدي للمجتمع، بل لا تقتصر فقط على الوظائف وإنما تتعداها إلى التشابه في طريقة التفكير والاستدلال، وفي القدرة على التأثير بشحذ الوجدان وتعبئة النفوس" انتهى.
من هذه الجزئية تحديدا أصبح واضحا أن الأيديولوجية في العصر الحديث تلعب الدور نفسه الذي مارسته الأسطورة في العصور الغابرة، إلا أنه وبرغم هذا تظل مسألة ترجمة بعض المبادئ مستحيلة إذا لم يملك المجموع الإنساني معرفة تساعده على فهمها، تماما كما توجد أيديولوجيات لا تحقق الانتشار والقبول إلا بتجهيل وتسطيح أفكار الآخرين - على سبيل المثال - عندما نشأت النازية قامت بإلغاء الآخر وتثبيت الصوت الواحد والاستبداد وحرمان الإنسان من جوهره الروحي، وحاولت أن تغذي هذه الروح التي جوفتها وجعلتها خالية من قيمها بشعارات مختلفة براقة، لكن أداتها المثلى لتحقيق أهدافها وانتشارها استمرت في الاضطهاد والتعسف وتسطيح أفكار وعقول شعوبها التي رزحت لعقود تحت وابل الديكتاتورية.
من هنا تحديدا كان يأتي سؤال عن العدو الأساسي والرئيس سواء للأسطورة أو الأيديولوجية، وكانت المعرفة هي المتهمة الوحيدة على مر العصور والأزمان.. لكن لماذا؟ لأن تعالي الأصوات ووجود آراء متعددة أو حتى نقاش متواضع يعتبر من أبسط مهامها، وهو الأمر الذي لا تتحمله الأساطير التي تبنى على الخرافة أو تلك الأيديولوجيات التي تتمترس خلف شعارات براقة تنافي التفكير والبحث والدراسة.
إن إنسان اليوم أصبح أكثر فهما وإدراكا أنه لا توجد معرفة حقيقية دون حرية مطلقة في التفكير وفي الممارسة والكتابة والإطلاع والنقاش وإبداء الآراء دون تردد أو خشية من أي عوامل مؤذية، وبالتالي فإن أي عقيدة لا تقبل الآخر والأصوات المختلفة تعتبر مهددة في بقائها ووجودها، وبالتالي لن تكون قابلة للحياة والاستمرار في ظل عالم متغير ومتبدل وفي حركة دائمة.

بقلم عبدالله زايد

آراء حول الموضوع: 0


خدمات المحتوى


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.