في
 
    تواصل | اساتذة | الخريطة | كنت هنا | تعريف | أقلام صحفية | مساحة أخرى

الثلاثاء 12 ديسمبر 2017



الموقع
آراء
إرهاصات المعرفة وقوة الثقافة.. أمام تحدي الجمود !!
إرهاصات المعرفة وقوة الثقافة..  أمام تحدي الجمود !!


عديدة هي القضايا التي يتم اجترارها مرارا وتكرارا في عالمنا العربي، تخفوا وتعود تطفوا على السطح بين وقت وآخر، فالمواضيع التي جرى التحذير من مغبة الوقوع فيها أو ممارستها كثيرة جدا، لدرجة باتت هذه التحذيرات مملة، فكم سمعنا وقرأنا كتب تصدر خصيصا تتحدث عن عدو يتربص وينتظر الفرصة للانقضاض على مقدراتنا وخيراتنا، فضلا عن تدميره لعاداتنا وتقاليدنا الراسخة، – على سبيل المثال لا الحصر - التحذير من اقتناء جوال الكاميرا! أو تحريم استخدام وتركيب ما يعرف " الدش " اللاقط للقنوات الفضائية، وبطاقة المرأة وعملها، ورغم أن البعض ممن سيقرأ هذه الكلمات سيضحك ساخرا، لكننا قبل بضعة سنوات قليلة كانت مثل هذه القضايا مواضيع جوهرية تقام لها المحاضرات وتصدر فيها كتب ونشرات ويتم عقد ندوات لمناقشتها يدعى لها خبراء ودارسين في العلوم الاجتماعية والنفسية والدينية، ولو قدر وقررنا التوقف لمحاولة الحديث عن دخول كل جهاز جديد أو تطوير ما في أي جانب حياتي في المجتمع، بهدف الرصد والتحليل، لما أسعفنا الوقت، ولسوف نحتاج لمجلدات عديدة، وهو ما يؤشر لأهمية وجود مراكز رصد اجتماعي يقوم بتوثيق مثل هذه الجوانب.
في كل عملية تطور تبدأ الأصوات بالتعالي والتحذير وصياغة سيناريوهات مظلمة وسوداء، يوجد من تأثر بمثل هذه الدعوات فأنزو على نفسه وأطر تفكيره، وبالتالي باتت مخرجات هذا التفكير محدودة وقاصرة ولا تفهم حقيقة الواقع الذي تعيشه البشرية، لدرجة الإصابة بالذهول من سطحية رؤيتهم وحكمهم على الأمور الحياتية المختلفة، فضلا عن دخولهم في صراعات مع محيطهم ومجتمعاتهم وخروج عن النسق الإنساني الطبيعي، هذا الرفض جعلهم متوثبين للإيذاء والقسوة وفي صدام ومواجهة مع كل من يختلف عنهم، وبالتالي باتت مجتمعاتهم بل العالم بأسره في كفة وهم وآرائهم في كفة أخرى، وما تنظيم القاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات والحركات الأصولية إلا نتاج لهذا الرفض للتطور، ومن ثم الدخول في مواجهة دائمة معه ومع كل من يتوجه نحوه.
من أهم القضايا التي سيطرت على العقل العربي مطولا، وأخذت مساحة واسعة من الخطاب والنقاش وحتى اليوم. قضية الغزو الثقافي، فهذا الموضوع تحديدا، بات يتم التطرق له في كل شارقة وغاربة، واستخدامه في كل مجال دون أي تردد، فيكفي أن تضع أي متحدث أو أي مؤلف أو دارس تحت تهمة التأثر بالغزو الثقافي وأن منهجه تغريبي لتدمر مشروعه، وكون كثير من المجتمعات العربية لازالت تنتشر فيها الأمية – أمية القراءة والكتابة – فإن السيطرة على عقولهم بمثل هذا الخطاب سهل جدا ويكفي أن ترفع شعار الغزو الثقافي وتهديدات الغرب لقيمنا وثوابتنا، حتى تجد المصفقين والمطبلين، على سبيل المثال لا الحصر، عندما بدأ برنامج الابتعاث، سمعنا وقرأنا لأصوات ترفضه، وهذا شيء طبيعي ومن حقهم التعبير عن آرائهم، لكن من ضمن تلك الأصوات من قال بأن إرسال الفتيات والشباب لأمريكا والغرب للتعلم فيه تغريب وغزو ثقافي، وهو نفسه ظهر قبل بضعة أيام يوجه تهنئة لأبنته بمناسبة حصولها على الماجستير من إحدى الجامعات الأمريكية، ويمكن القياس على مثل هذه الحالات والنماذج التي تظهر التناقض بين الخطاب الذي يعمم على المجتمع وبين ممارستهم الفعلية لأنفسهم.. الشاهد هنا أن مسألة الغزو الثقافي استخدمت لمحاولة تدمير مشروع تعليمي تنموي معرفي مجتمعي لا أكثر. وهذا فيه رفض للحراك المجتمعي الذي أدركته الأجهزة الرسمية الحكومية وتماشت معه، بينما وقفت تلك الثلة عاجزة عن الاستيعاب والفهم.

طموح الثقافة
ليس المجال لمناقشة هذا الجانب – رفض الحراك المجتمعي والتطوير – بل لنسأل هل مصطلح الغزو الثقافي كاذب؟ بمعنى أن وجوده يهدف ليكون وسيلة للسيطرة على العقول وتخويفها، ببساطة ألا يوجد فعلا أمم أخرى لديها خطط لنشر ثقافتها في كافة أرجاء العالم؟ وبالتالي تحاول إزاحة ثقافتنا وإحلال قيمها بدلا عنها، لعل في الكتاب الذي نشرته المؤسسة العربية للدراسات، تحت عنوان " اغتيال العقل" للفيلسوف برهان غليون، إجابة وافية أو تحمل جوانب مهمة وثرية في هذا السياق، حيث قال: " إن طموح كل ثقافة صاعدة أو نازعة إلى الهيمنة العالمية هو أن لا تظهر إلا كثقافة إنسانية، وكدين للإنسانية، يتجاوز المجتمعات التي أنجبته والحقب التي ظهر بها. وهذا من خصائص السيطرة ذاتها، إذ هي تطمح بالتعريف إلى أن تكون عامة وشاملة. ومتى ما نجحت الثقافة في إظهار نفسها كثقافة كونية إنسانية، ألغت كل ما عداها من الثقافات أو جبتها قضت عليها بالهامشية واللافاعلية. والصراع على الظهور بهذا المظهر الكوني هو الرهان الأساس للثقافة لأنه يؤكد صلاحيتها في نظر الجماعة التي تحملها والجماعات الأخرى. ونستطيع أن نقول أن كل تبدل في العلاقات بين الثقافات القائمة في حقبة معينة يحمل في طياته تهديدا للبعض ومكاسب للبعض الآخر. وبقدر ما تنجح ثقافة في احتلال حقل العالمية تزيح الثقافات لأخرى عن مواقع تأثيرها حتى داخل حدودها القومية وتعرضها لأزمة عميقة تمس كل الوظائف الحيوية فيها: المطابقة الذاتية أو الهوية، وما يتعلق بها من تحديد مستقر للعلاقة مع التراث والماضي والآخر، والإنتاج العقلي معا، وقد تودي بها تماما. فبقدر ما يزداد انتشار الحضارة الغربية بالمعني الموضوعي والتقني للكلمة عبر أنماط الحياة والإنتاج العالمي والمادي، وبقدر ما تفرض نفسها كحضارة عالمية أو كقائدة لعملية تجديد إنتاج البشرية، تعيد تشكيل الواقع الاجتماعي والفكري لدى الشعوب الأخرى على شاكلتها. وفي هذه العملية ومن خلالها تجبر الثقافات القومية على التراجع والانكماش، ثم على الفصل أو على القطيعة النهائية مع الواقع المحلي. إذ أن الواقع الجديد يتطور من خارج القيم الثقافية المحلية، ولا يمكن للثقافة القومية إلا أن تظهر كثقافة مفوته أو قديمة بالمقارنة مع هذا الواقع. فإذا حصل ذلك، فقدت هذه الثقافة تدريجيا سيطرتها في المجتمع، وظهرت أزمتها وعند إذ تدخل الثقافة العالمية لسد الفراغ والحلول محلها في تحقيق الوظائف التي كانت تقوم بها ". وإن كان مفهوم الثقافة العالمية مبهم هنا، وغير واضح، إلا أن الحديث عن الإزاحة وتبدل المفهوم بكل هذا التبسيط فيه شيء من الإرباك لأدوار الثقافات المختلفة.



ذهنية التحريم
وبالمناسبة فإن قضية الصراع الثقافي، أو تبادل النفوذ المعرفي بين أمم الأرض ليس وليد هذا العصر أو أنه جاء وفق إرهاصات محددة وخاصة بهذا الألفية التي نعيشها، إطلاقا بل إنها قضية كانت ماثلة في فكر الفلاسفة والمخترعين والمصلحين دوما، فلو رجعنا للتاريخ وتحديدا التاريخ العربي الإسلامي في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن، واستحضرنا أهم شخصيات ذلك العصر مثل عالم الاجتماع الشهير أبن خلدون، فسنجد له كلمات بليغة في هذا السياق، حيث قال: " إنما تبدأ الأمم بالهزيمة من داخلها عندما تشرع في تقليد عدوها". ودون الدخول في تفاصيل هذه الكلمات، وحول القصد من مسألة التقليد، وهل يجب رفضه، كون هذا الجانب يطول شرحه، إلا أنها تبقى مثال مناسب في سياق التبادل المعرفي مع الآخر، فالحديث دوما حول فائدة هذا التبادل المعرفي، وهل فعلا يوجد تبادل، أم هو هجوم من جانب واحد؟. في الحقيقة أجد، كلمات مباشرة وأكثر وضوح في هذا السياق للدكتور صادق جلال العظم، وتحديدا من كتابه " ذهنية التحريم" الذي نشرته دار المدى للثقافة، ومن المناسب إيرادها حيث قال في هذا المنجز المعرفي المشوق: " لنسأل ما هو هذا الذي نسميه بالغزو الثقافي؟ الأدبيات التي نحن بصددها لا تطرح هذا السؤال عادة ولا تحاول الإجابة عليه صراحة، بل تتطرق إلى ظواهر تتراوح بين إدانة الحداثة في حياتنا المعاصرة إدانة مطلقة وكلية من ناحية، وبين التنبيه للمخاطر التي ينطوي عليها الإعلام الغربي ووكالات الأنباء الصهيونية والكتب والمجلات والعقائد المستوردة، من ناحية ثانية. ويبدو لي أنه لو ترك الأمر بيد أصحاب هذه الأدبيات لقطعوا عن المواطن العربي كل اتصال ثقافي أو علمي أو فني أو أعلامي بالعالم الخارجي بحجة محاربة الغزو الثقافي وأخطاره. كما يبدو لي أن مبالغتهم التهويلية في سرد مخاطر وشرور الغزو الثقافي، كما يفهمونه أو لا يفهمونه، وحماستهم الملتهبة لحمايتنا من تأثيراته الضارة تنطوي ضمنا على نظرة تحقيرية حقيقية للمواطن الذي يريدون حمايته، إذ يظهر هذا الإنسان بمظهر المنفعل الذي تؤثر في أعماقه كل شاردة وواردة إعلامية أو ثقافية أو سياسية معادية، ولربما تفسر لنا هذه النظرة تركيز أدبيات الغزو الثقافي عندنا على طرف واحد من العلاقة، أي الطرف الغازي وإهمالها شبه الكامل للطرف المغزو، في حين أن أية محاولة لتحقيق فهم جدي وعلمي لظاهرة الغزو الثقافي لا يمكن إلا أن تحيط بطرفي المعادلة".



خيالات مرضى
لعل في هذا الطرح بعض الإجابات ويوضح بعض الحقائق، فنحن أمام معضلة حقيقية، ثلة تتحكم بالخطاب في عالمنا العربي، وتضع سياسات التحريم والمنع، بحجة حماية المجتمع، ولا تسعفهم معارفهم إلا بالعمل على الإقصاء والتكميم وإلغاء أي صوت تنويري وحداثي جديد، وهم لا يعلمون بأنهم قد أضعفوا المجتمع وسطحوا معارفه وسحبوا ما يغذيه من قوة.
في عالم اليوم، توسعت أوعية ووسائل الحصول على المعرفة، وباتت أجهزة الهواتف الذكية في يد كل واحدا من أفراد المجتمع العربي، وبواسطة هذه الهواتف، يستقبل يوميا مئات من المواد على مختلف أنواعها، الصور والفيديو وزخم هائل من النصوص، التي تجاوزت الحدود وباتت أعلى وأكبر من الرقيب ووسائله وطرقه، بل أن هذا المواطن، كما هو واضح بات منتج للحدث نفسه، ومصدر وناشر له.
مع الأسف أن من يترصد بنا هم من يعتنق ديننا ويتحدث بلساننا، هم نتاج فكر الإقصاء وسياسة الحرمان، وما تنظيمات مثل القاعدة وداعش وعدد آخر من الحركات المتطرفة الإرهابية، إلا نماذج وأمثلة واقعية لمحاولة تجهيل المجتمعات حتى يسهل قيادتها، ثم البدء في العمل على ترجمة مشاريعهم الظلامية على أرض الواقع.
في كتابه الذي حمل عنوان " الغزو الثقافي يمتد في فراغنا" قال الشيخ محمد الغزالي: " إنني أرفض التبعية النفسية للآخرين، ولكنني من هذا المنطلق نفسه أرفض التصورات الإسلامية للحياة، أعني التصورات التي ينسبها الناس للإسلام، وهي عند التأمل خيالات مرضى وقاصرين". وفي المحصلة النهائية، ليس المجال لإنكار الثقافات الأخرى وعملها على الانتشار والتأثير ففي النهاية ما الذي يمنع أن يكون هناك تنافس وسباق ثقافي بين أمم الأرض.. من الذي منعك من إنتاج ثقافتك بلون عالمي والتبشير بها في الغرب وأمريكا؟ إن وسائل نقل المعرفة الحديثة – شبكة الانترنت، والقنوات الفضائية، والهواتف الذكية، والتطبيقات وغيرها - هي نتاج لثقافة كان هناك من يبلغنا بأنها ثقافة عدوة... وليكن ! ها نحن نستخدم تويتر والفيسبوك والانستغرام واليوتيوب وغيرها كثير، ونستخدم تطبيقات مجنونة على هواتفنا الذكية، ولازلنا نحب ثقاتنا، أما من أرخوا السمع لخطاب الكراهية ولعواصف الغزو الثقافي، فإما أنهم اليوم متطرفين أو أنهم في حالة من الذهول والتردد...



لمشاهدة المادة من المصدر أضغط على الرابط التالي:
http://www.alhayat.com/Articles/9617...%D9%88%D8%AF!!

آراء حول الموضوع: 0


خدمات المحتوى


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.