إنه لشيء مذهل أن أعظم أسرار الحياة قاطبة تمثلت في جانبين متناقضين ومختلفين تماما في كل شيء؛ في الحجم، في الوظيفة، في الشكل، في عدم فهمنا لهما، الأول: الكون الواسع الفسيح الذي لا حدود له، والثاني: العقل الصغير الذي تحمله رؤوسنا، الكون والعقل هما أكبر الأسرار التي واجهت الإنسان وعجز عن كشفهما واحتار فيهما تماما، ومعظم ما تجده يدور في فلكهما لا يتجاوز حقائق قليلة مثبتة، مع كثير من النظريات التي تحتمل الصواب والخطأ، فضلا عن خرافات لا تعد ولا تحصى.
كل واحد منهما لم يفصح ولم يكشف عن الأسرار ولا عن الآليات ولا العمق ولا الجوهر، وإن أردت معرفة مدى سطحية معلوماتنا، سواء في الكون أو في العقل، يمكن النظر لكل واحد منهما نظرة فاحصة ودقيقة.
اضغط للنسخ
بالنسبة للكون الشاسع يمكنك استشفاف حجم الجهل والسطحية المعلوماتية التي نعانيها بسهولة متناهية، حيث لا تحتاج إلى أي صواريخ ولا تلسكوبات ولا مناظير، فقط استلق في ليلة مظلمة بعيدا عن النور وانظر للسماء المحملة بالنجوم وجل بنظرك، ستجد أنها جولة تشبه تلك التي كان ينظر بها الآباء والأجداد، لا تملك إلا الذهول والصمت المحير.
صحيح أننا في هذا العصر رأينا رحلات نحو الفضاء وشاهدنا الصواريخ التي ترسل نحو السماء، لكننا حتى هذا اليوم لم نضع اليد على حقائق مثبتة أو كشوف ملموسة، رحلات الفضاء نخبوية محدودة، مقارنة بتاريخ حلم الإنسان بالطيران ومقارنة بحلم السفر عبر الكواكب، لا يوجد عند البشرية اليوم أي منجزات لاختراقات حقيقية.
أما العقل البشري فلا يمكن فهمه ولا فهم آليات عمله ولا حدود قدراته، بل يوجد تباين واضح وشديد بين عقل وآخر، هذا العقل غير المفهوم تدين له البشرية بكل خطوة نحو التطور والبناء والازدهار والنمو، هذا العقل يقف العالم أمامه إجلالا وذهولا مما فعله ويفعله كل يوم، كل واحد منا مدين للعقل ولفعاليته وقوته وتمكنه، ورغم هذا وحتى اليوم لم يتمكن طبيب واحد من الاقتراب منه ولا من اختراق قدراته أو فهمه.
رغم أنني أجزم بأن البشرية ستشهد قفزات أخرى في مجالات الطب وغزو الفضاء، إلا أنني أعتقد أن الكون الواسع سيكون أكبر من فهمه، وأن العقل البشري رغم صغره سيكون أصعب من الإلمام به، لكنهما يبقيان ميدانا حقيقيا ومواتيا لكل طموح من الدارسين والباحثين والعلماء، فالأسرار كثيرة وتنتظر من يفصح عنها، وجائزة نوبل تنتظر!
اقرأ أيضًا
التاريخ عندما تراه
في هذا العصر الذي يسمى عصر الصورة والصوت، باتت مهمة نقل المعرفة أو محاولة نشرها وتداولها تتطلب عناصر تتماشى مع التطور التكنولوجي التقني في مجال الاتصالات، وبالتالي كان الاستمرار في تقديم القوالب السابقة الاعتيادية بمثابة…
أنت مبدع دون أن تعلم!
هناك نظرة خاطئة تجاه جملة من المعاني والتوجهات الحياتية، وهذا حال الإنسان كلما عجز عن إدراك شيء ما أو لم يصل له ولم ينجح في بلوغه وفهمه وضع الخرافات حوله، والإبداع واحد من هذه المتطلبات الحياتية التي لا يمكن للجميع إدراك…